Archive for مارس, 2010



ومضـَـيْتُ

إنني هاهنا .. ، كما أنا .. ، كما كنتُ .. ، جالساً هكذا على كرسيي أعدُّ ثقلَ الأشياءِ مِن حولي
وأتشعبُ في متاهاتِ الغيمِ المتكدِّس ..
أنتظرُ انفراجَ ضوءِ الله ..، لأعلِنَ توبَتي للنواميس ..
وأتعمَّدُ بالصَّمت .. ، وأجعله عبادة
لَم يبقَ مني شيء … ، صِرتُ كائناً مِن ورق ..
ألبِّي نداءاتِ المستوحشينَ ببابي .. ، ولا أجدُ من يلبي نداءاتِ وحشتي وخيبتي
مدينتي معلَّقة على أثداءِ عشتار .. ، وعشتار مريضةٌ في خدرها تنتظرُ دواءَ يجلبه أبناؤها
وأبناؤها قتلَتهم حميةٌ الانتصار لأنوثةِ أمِّهِم .. ، وشغلَتهم بدمائِهِم ..
فمن سينقذُ عشتار هذا المساء .. ، من سينقذها غداً ..

.. وتدخُلُني في ضوءِ ثغرها ..
وأتمدَّدُ ..
على هذا الصَّفيحِ الهومريّ .. ، مجللاً بنعومةِ خدِّها الذي لم تزل شعراتٌ عذرياتٍ يخططنَ مسارهنُّ عندَ أسفل الذقن ..
ولعبتُ بما تركَهُ لي القدر من احتمالات الحياة والموتِ والبقاء حُراً ..
في فضاءٍ يكتنزُ ألما … ، يكتنزُ جهالة ..

.. وتحملُني في جحيمِ منِّها ..
وتقطِّرُ عليَّ مِن رذاذِ أنوثتِها غاردينيا وزعفران .. ، وتحرقني .. وتمسحُ عَن شفتيَّ بقايا كرزها وليمونها .. ، وتتركُ المِلحَ على أطرافِ جسدي .. ، لأتلذَّذَ باختفائِها .. ، ولتزيدني الرَّعشةُ بللاً .. وحُمَّى … وأقراصَ نُعاس .. ، وأجدُني هكذا هكذا .. زائغَ البصيرةِ لا أرى شيء .. لا شيءَ يراني .. ، فأذهلني عبور السلاطين ببابي ولَم أمُت ..

إنني علَّقتُ روحي .. نجمةً في ليلِ شَعرِكِ ..
فخذيني ..
واجعليني خاتمَةَ نبضِكِ ..

.

……………………………………… مِن مذكرات مواطِنٍ عربي لَم ينَم بعد أو ربما .. نامَ أبداً ولَم يفِق


وَأنتَ مُسافِرٌ لِمدينةٍ أخرى
لا توقِف شتاتَكَ في مكانٍ واحد
وارفَعْ ذراعاً .. اثنتيْن
وقلِّب هواجِسَكَ المريضة
لم يجد ما يباغتُكَ
انتظاراً لامِعاً
لَم توقِن بأشكالٍ مبعثرةٍ
ولَم تؤانِسْكَ الفَضيحة
هذا غيابُكَ أخضرٌ لَمَّا تجلِّى
وهذه الأشكالُ ترسمُكَ احتراماً لِما تبقَّى مِنك
مِن صَمتٍ وشفتان تشققتا مِن البَردِ وتقبيلِ الهواء
وللفصولِ مسافة لا تنتهي
لَم تدرِك أيُّ القلوب مريضة هذا المَساء
وأنتَ مشحونٌ بأوهامٍ مُرقَّعةٍ
وقوسُ قزحٍ عابرٌ يدينُ لَك
وماذا بعد .. ؟
كلُّ المدائن نائمة
كلُّ العيون إلى ذبول
وأنَّى يحلُّ الله لا تلقى مَن يكترث بظلالِه
فأيُّ الدساتير أقرب لهواك
حوريَّةُ البحرِ قامَت مِن أعراسِ بهجَتها
فرَّقَت رذاذَ خلودِها على الكلِمات
وتركَتْكَ في صَمتٍ عنيفٍ تنقِّطُ مأتمَك

عَلى رُقعةِ الشِّطرنجِ آخر جولةٍ
يَسْقطُ الأبطالُ والأمثال ودموع المحاربين
وتنقطُ أسماء الذين هجوا ذكراك
على رقعةِ الشِّطرنج سيفٌ وجرادٌ وذاكرةٌ كتوم
وأنتَ مؤنثٌّ فائِضٌ عَن جِنسِ حوَّا
وأنتَ مرارةٌ تفجَّرَت يوْمَ تتويجِ الملِك
وزيرُك ؟؟ .. حصاني ينهشُ بعيرَك
جندي تقدَّم ..
قلعةٌ تقوَّضَت أركانُها
والفيل تنحى بهِ نحوَ اليمِين
أمطرَت عليْهِ حجارةٌ مِن سجِّين
ملك ..
مات .. ؟؟
لا …..
قتلته .. أكلته .. شربته ..
لا …. لا ..
ولكِن ..
ملِك … ، لا يموت .. لا يموت

أينَ الطَّريق
بضعةُ أمتارٍ ينهشها ماعزٌ جبليّ
وأمةٌ تسرقُ طعامَها مِن فضائل الأمم الناعِمة
تشارعك الظُّنون …
في هذا الوادي الرماديَّ
ليسَ المكان هوَ الخديعة
وإنما رجعُ الكمانِ في صدىً آثِم
وتوجسُ نجمةٍ مِن ليلِها
وصراعُ أبجديةٍ في تمجيدِ طاغيةٍ
لمِ يهتد بعدُ الصِّغار إلى أسرَّتهم
أرهقهم افتراش الأدراج وأرصِفة البنوك
أشباحٌ نحنُ العابرون في قضايا الأمم
وهمٌ قبيحٌ في أحلام يقظتهم
على هامِشٍ مِن الوقتِ مضَيْنا
وفتحنا لأوهامِنا كُلَّ آفاق الكذب
طبطبنا على رؤوسٍ هرِّت شعورُها
مِن اليأسِ والمِلحِ وعثراتِ السِّنين
فأقدارنا أغنيةٌ وهزة خِصر وترديد شعار
ومجدنا كتابٌ منزِّلٌ مِن عليِّين
دستور دولة .. أم قانون حزبٍ
أم شريعة محاربين

ينقصُنا … حنيــن
نحنُ أحفادُ النوارس والذئاب
نحن الذين
حمَلنا فوقَ ظهورنا أمجاد الكلاب
فتبا لأسطورةٍ زخرفها النهار
وشخَّ على حقيقتها الضِّباب

وحيدةٌ كلِماتُنا
وأرقامُنا هجَّنها الجِنسُ والشِّعرُ وجدرانُ الأقبية
عابرةٌ آهاتُنا
إلى رغيفِ الخبز الجاف وزنزانةٍ انفراديةٍ وضميرِ قائِد
تراكمَت عليْنا الدموع والأرواح
وصِرنا مدينين لملكِ الموتِ بموتٍ آخرَ لَم نقدِر عليْه
وعُدنا ..
رجعنا إلى بيتٍ نعرفه
وتعرفنا أبوابه وشبابيكه
ويعرفنا هواءه وشذاه
وضَعنا الأكفَّ على الوجوهِ الشاحبة
واستدرنا حائرين
ننادي على الاسمنت
نباغتُ كُلَّ شيء
فرادى أنقياء
لَم نؤثِر حياتَنا على أحَد

ولكننا نمنا وحلمنا
وأفقنا على وقعِ صدىً مجنون
ينادي بأشلاءٍ مُمزقة
ويتركنا شاحبين

جائعين هذا الصَّباح ..
مازلنا جائعين

ربيع دمشق -2-

في آذار عليكَ أن تتوقع كل شيء
من المناخ والقلب والمزاج .. ، وعليْكَ أن تنتظِرَ مِن دِمشق ما لَم تألَفْه

في آذار … كُن هادِئاً خاشعاً … ، وانتظِر بلوغَ نشوةِ الحدَث … ، أنتَ حيثُ تستقرُّ بكَ أجواءُ شتاءٍ مُرهَق

وحيثُ لَم نتكلَّم سابقاً عن وعودنا .. أن وأنتِ ..
حيثُ انتظرنا كثيراً ولم نبلغ مدانا الذي انتظرنا لأجلِه
تجعلنا دمشق .. طِفلين في مهدها .. ، ويجعلنا ربيعها مرابطي حلُمٍ على أعتابِ الصِّراط ..

صديقتي ..
والتمسنا من دمشق النِّداء ..
وفي دمشق تركنا عهوداً لَم نصُنها ..
وعدنا أدراجَنا نتسكَّعُ على خطِّ الرِّيح ..
افتحي البابَ فقد أتيت ..
أغلِقي البابَ فقَد هلَكت ..

ودِمشق ..
أمُّ بهائِنا .. وقائدةُ مسيرةِ العِشق الذي تبنانا .. ، ورحنا فيهِ حالمين بلا وعي
بلا اكتراث .. نصابُ بحمى الفراق ..
وتنذرنا الوعود .. ، بدأنا .. ؟؟ … ، ولَم نبلغ مسيرَ القيامَة ..
فضَحتنا دمشق .. ، وذكرياتنا في سلسبيلِها ومَنِّها ..
وارتعشَت أجسادُنا … نتحسَّسُ ذلكَ الـ يتدفق في عروقنا .. دافئاً وغزيراً ولامسمى له

ودِمشق .. صديقتي ..
كما عهدناها .. وكما تركناها على قارعَة أحلامنا .. وكما تمنتها ضمائرنا
ننتهي .. وينتهي كل شيء فينا
وتبقى هيَ
ملامسَةً ذلكَ الصَّفاء العلوي اللامِع .. في سماءٍ اجترحناها مِن عشقنا .. ومِن نسياننا .. ومِن فوضانا

وأنتِ ….

تذكرتُكِ هذا النهار … ، مع كأسِ بابونجٍ ساخنٍ أو بدونهِ معَ قوسِ قزحٍ يدلِفُ غماماً .. ومعَ ساريةِ لؤلؤٍ .. أو خزفٍ أثقلَهُ حِمل العقيق تذكرتُكِ بضعةَ أشياءَ أو أقل ربما .. ، مرتين أو ثلاثة .. حتى أتماهى معَ الوقت .. أو حتى أخفي حقيقةَ أنني أتذكركِ الآن كما قبل ثانيتين ..

تذكرتُكِ بصمتٍ وابتسام .. ، ورحتُ أرسمُ أشكالاً للصّدفِ التي يمكُنُ أن ترميكِ في طريقي .. أو ترميني في طريقِكِ .. ، صِرتُ أتخيل القدر رسولَ محبة يأذن للطرقاتِ بأن تتلاقي عِند مقدمنا معاً .. مِن مكانين بعيدين أو قريبين .. ، لتعرفي أن المكان .. أو الزمان .. ، حالتين متماهيتين معَ الصُّدفة … ، الصُّدفة ذاتها التي جذبَتني فيها عينانِ ساحرتان .. لوزيتانِ شاحبتان .. ممتزجتان بالعسَلِ والكحلةِ الناعِمة .. ، حينَ أدركتُ أنني أمامَ نَشوةِ الجمالِ الذي فرَضَهُ عليَّ الطِّريق .. وقدر جعلَ مِن الطرقاتِ سبيلاً لنزفٍ في المشاعر والكلام ..

تذكرتُكِ … وأنا أجهِّزُ ذاتي للولوجِ في حديقةِ خيالِكِ ..

وحضَّرتُ طَبقاً مِن الصُّدفِ الجميلةِالتي أتمناها ..

وانطفأتُ على حقيقةِ أنكِ هنا .. ولستِ هنا ..

فرحتُ مجدداً في طريقي … أبحثُ عنكِ .. بعيداً عنكِ ..

وأنتِ هنا … ، ولستِ هنا .

ربيع دمشق

صديقتي

يتغلغلُ ربيعٌ في أجواء دمشق
يبعثر كل شيء
حتى ما نظن أنه ساكن هامدٌ جامد لا يمكن تحريكه
ربيع ناعم وقاسٍ في آن
ربيعٌ يطِلُّ من عيوبنا وحاجاتِنا وفراغنا
ربيعٌ يزمهر ويزمجر ويصفُرُ ويعوي ويئِنُّ ويضحكُ ويبكي
ربيعٌ فاضِحٌ ورقيقٌ وضعيف

إنهُ ربيعُ دمشق الذي يأتي كل عام .. ولا يأتي
ربيعها الذي راح فيهِ يوماً مثقفون وشعراء وأحرار ، ضحيَّةَ أفكارهِم وأحلامِهم بوطنٍ أكثرَ وضوحاً .. اكثرَ صموداً .. أكثرَ حريةً ..

إن سألتِني عن ربيع دمشق ..
ستكوني كمن قال .. إفتح جزءً من جرحِكَ وغني

هو ذا أنا في هذه الأوقات المضمخةِ بالحبِّ وعدمِه
بالرغبةِ وفنائِها .. ، بالليلِ والفجر والعدم بينهما ..
قد فضحنا ربيعُ دمشق .. والفجواتِ الناتئة فيه والذاكرة المحنطةِ على جدرانهِ وسقائِفِه

فكيفَ يا صديقتي .. ، كيفَ سيمنعنا صَفاءُ السماءِ عَن غبار أهل الأرض .. ووحشةِ رمادِهم

ما زلتُ محتقنا بالتفاصيل .. وبمسمياتِ الأشياء ، أبحثُ في أيِّ هامِشٍ عما يعزِّي قلقي وجمودِي بين الدفاتر والكتب وأفكار المفكرين والفلاسفة …

صديقتي … ، آن للأشياء أن تصيرَ أكثرَ جمالاً من وصفي لها ..، آن لدمشقَ أن تفتحَ قلبَها للوردِ والياسمين .. وأن تنسى مخاضاتي العسيرةِ في حزنها وسجنِها وكبتها .. ، آن للحلم أن يتنحى جانباً ويتركَ لدمشق واقعا بسيطاً معاشاً يُرضيها ويُرضي أهلَها ..

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.