الثانية عشرة والنصف من نهار السادس عشر من كانون أول .. أيام قليلة قبل العبور إلى العام الجديد ..، قد لا يكون ذلك التوقيت الملائِم للعودة إلى المكان الذي قضيتُ فيهِ أوقات (عالية) المزاجية .. لسنوات عديدة ، قبلَ أن أخرجَ مِنه حامِلاً شهادةً هي (الحلُم) بالنسبة لكثيرين .. ، كانت رفيقتي (رانية) .. متخوفة من ذكرياتِ ذلِكَ المكان على الرغمِ من حلاوتِها وطراوتِها .. وسِعَةِ تفاصيلِها .. ، أما أنا فقد كنتُ لا مبالياً بتلكَ الذكرياتِ إن هيَ تجددت .. ، إلى أن دخلنا مِن باب جديد (لم ندخل منه يوما) لا أنا ولا رانية ، بدأت قشعريرة تتسرب إلى جسدي معَ ابتسامة رضا .. لهذا الكم الهائِل من الذكريات التي حمَلته سنوات الدراسة في كلية الهندسة المعمارية في جامعة دمشق بالقرب من دوار الجمارك ..
<
(أحمَد سُكَّر) .. ذلَكَ الشاب الأنيق الذي عرفناهُ يوماً مهندساً وفناناً مرهف الشعور .. ، أخذنا إلى عالمه الخاص .. ، وملأنا بالتحدِّي لذواتِنا ونحنُ نراهُ يتحدَّى القواعِد التي تجري عليها إلقاء المحاضراتِ عَن الأشياء المعمارية .. ولأقل .. عنِ الأشياءِ المعمارية الخاصة .. تلكَ التي لا يجرؤ كثيرون على الاقتراب منها .. ، لكنَّ (سكَّر) اقتربَ منها ببراعة وخفة ولطف .. وصاغَ (أنشودته) الخاصَّة .. ، وراحَ يسرُدُ أسرارهُ معَ الجدران ..
كَم كانَ مذهلاً ذلكَ الشعور ( أوليسَ كذلك رانية ؟) .. لقد راقبناهُ وهوَ يُجبرُنا على رؤيةِ أفكارنا المشتتة وهيَ تتجمَّع في فكرهِ المتقد .. وراحَ ينصب (الحيطان) أمامَ أعيننا .. فيخاطبها يغازلها .. يداعبها .. ثمَّ يستعيدُ بها ذكرياتِ الطُّفولة .. ويجبرنا على التحديقِ بماضيه .. ونحن لا نعرف حتى حاضرَه ..
فاستوتِ الأشياء هُنا .. واندمَجتُ معَ إيقاع صديقنا عاشق الـ(حائط) .. حتى أنني أجبرتُ فتاتين كانتا تجلسان خلفنا (أنا ورفيقتي رانية) على التزام الصَّمت .. وبحركةٍ واحدة خفيفة .. ، فحصَلتُ على بضعِ ما أريد .. ورحتُ أبحث عن البقية في مناجاة (سُكَّر) للتفاصيل التي يرغبُ في إيصالِها .. ، قلتُ في نَفسي .. نجحتَ يا (أحمَد) منذ بدأت .. فإن لَم تحصُل على غاية الإفادة .. فقد حصلتَ أقلها على غايةِ الإمتاع .. ، وقَد فرضتَ فلسفتَكَ (ولا شك) .. مِن حيثُ أردتَ أنت .. ، أو مِن حيث لَم يتوقعِ الآخرون ..
الحائطُ إذاً .. ، إيييه .. كَم أصابَتني قشعريرة وحِسٌّ بارد .. عِندما راقبتُ صديقنا العاشق وهوَ يشعل الدفء في هذا العنصر الذي طالما بغضناه .. حتى أنهُ جعَلَ مِنه حقيقيا .. ووجه الإنسان (هوَ الزائِف) لكثرة ما نُحمِّلهُ مِن أقنعَة ..
لا يا صديقي أحمَد .. ليس مِن الضَّروري هنا أن أتفقَ معَك أو لا أتفِق .. ، لنقُل .. يكفي أنني قرأتُ شيئاً مِن هواجِسي في إيقاعاتِ انتصاراتِكَ اللطيفةِ للـ(حيطان) .. ، فكيفَ لِفيروز مثلاً .. أن تضجر منها الحيطان .. ، وضجِرَت منا يا صديقي مراراً ومراراً ..
أما (زها حديد) المعمارية المرموقة .. البريطانية من أصل عراقي .. ، فقَد كنتُ نسيتُ تماماً حيطانَها .. ، فدعني أشكركَ لأنكَ ذكرتني بأنَّها أحبتِ ال(حيطان) ربما من حيثُ لا تدري هيَ .. وتدري أنت
لقَد مشيتَ على إيقاعِ الفراغ العاطِفي الذي بلينا بهِ جميعا هذه الأيام … ، وأيقظتَ فينا ربما .. شيئاً بسيطا مِن أهميةِ إحساسِ هذا (الحائط) المرهف .. ، وكيفَ أننا بليناهُ بوشومِنا وأمزجتنا المعمارية المصطَنعَة ..
ما أجملَك يا صديقي ..
ربما يكون كل ما أفعله الآن .. هوَ أنني أنقلُ انطباعاً .. مجردَ انطباع .. ، وأنا لست إلا شخص أقل من عادي (أقلها معماريا) .. ، فلا تؤاخذ انطباعاتي الساذجة .. ، واتركني وما أحِب …
خطرَ في بالي أمرٌ أخير يا أحمَد .. أو سؤال أخير … ( عن جد بتحب الحيطان ) .. أو لأقل بصيغة أخرى ( ياترى بتحب الحيط ككتلة منفردة أو بسبب ما يساعد على تشكيله من فراغ معماري أو شكل فني أو انطباع بصَري) .. ، جاوبني لوْ سمَحت .. ، فلا أنكرُ أنهُ تخيل لي للحظة وأنا أراقبُ أداءَكَ .. أنكَ ربما لو كنتَ في صَحراء خالية من كل شيء وتراءى لكَ شبح (حائط) .. فإنَّكَ ستسارعُ إلى احتضانهِ وتقبيله .. فهوَ المعنى بالنسبةِ لَك .. ، وهوَ مصدر الشعور والإحساس ..
أشكرُكَ فقَط ..
و هكذا .. سأتتبعُكَ ..
فكُن بخيْر ..